محمد بن جرير الطبري

33

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إخوانك فليحكما عليك فأتيت عبد الرحمن وسعد ا ، فحكما علي تيسا أعفر . قال أبو جعفر : الأعفر : الأبيض . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور بإسناده عن عمر ، مثله . حدثنا عبد الحميد ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن أشعث بن سوار ، عن ابن سيرين ، قال : كان رجل على ناقة وهو محرم ، فأبصر ظبيا يأوي إلى أكمة ، فقال : لأنظر أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي ؟ ما يقتله المحرم فوقعت عنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها . فأتى عمر ، فذكر ذلك له ، فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء . قال : وهي البيضاء . يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أيوب ، عن محمد : أن رجلا أوطأ ظبيا وهو محرم ما يقتله المحرم . فأتى عمر فذكر ذلك له وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف ، فأقبل على عبد الرحمن فكلمه ، ثم أقبل على الرجل ، فقال : أهد عنزا عفراء حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء لم يمض فيه حكومة ما يقتله المحرم ، استقبل به ، فيحكم فيه ذوا عدل . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثني وهب بن جرير ، قال : ثنا شعبة ، عن يعلي ، عن عمرو بن حبشي قال : سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال : فيه ولد ماعز فيما أرى أنا ما يقتله المحرم . ثم قال لي : أكذاك ؟ فقلت : أنت أعلم مني . فقال : قال الله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، وسهل بن يوسف ، عن حميد ، عن بكر : أن رجلين أبصرا طبيا وهما محرمان ، فتراهنا ، وجعل كل واحد منهما لمن سبق إليه . فسبق إليه أحدهما ، فرماه بعصاه فقتله ما يقتله المحرم . فلما قدما مكة ، أتيا عمر يختصمان إليه وعنده عبد الرحمن بن عوف . فذكرا ذلك له ، فقال عمر : هذا قمار ، ولا أجيزه ثم نظر إلى عبد الرحمن ، فقال : ما ترى ؟ قال : شاة ما يقتله المحرم . فقال عمر : وأنا أرى ذلك . فلما قفى الرجلان من عند عمر ، قال أحدهما لصاحبه : ما درى عمر ما يقول حتى سأل الرجل فردهما عمر فقال : إن الله تعالى لم يرض بعمر وحده فقال : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ وأنا عمر ، وهذا عبد الرحمن بن عوف . وقال آخرون : بل ينظر العدلان إلى الصيد المقتول فيقومانه قيمته دراهم ، ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هديا ما يقتله المحرم . فالحاكمان في قول هؤلاء بالقيمة ، وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمته في الموضع الذي أصابه فيه . وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته ، وهو قول جماعة من متفقهة الكوفيين . وأما قوله : هَدْياً فإنه مصدر على الحال من الهاء التي في قوله : يَحْكُمُ بِهِ ، وقوله : بالِغَ الْكَعْبَةِ من نعت الهدي وصفته . وإنما جاز أن ينعت به وهو مضاف إلى معرفة ، لأنه في معنى النكرة ، وذلك أن معنى قوله : بالِغَ الْكَعْبَةِ يبلغ الكعبة ، فهو وإن كان مضافا فمعناه التنوين ، لأنه بمعنى الاستقبال ، وهو نظير قوله : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فوصف بقوله : " ممطرنا " عارضا ، لأن في " ممطرنا " معنى التنوين ، لأن تأويله الاستقبال ، فمعناه : هذا عارض يمطرنا ، فكذلك ذلك في قوله : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ يقول تعالى ذكره : أو عليه كفارة طعام مساكين . والكفارة معطوفة على " الجزاء " في قوله : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ بالإضافة . وأما قراء أهل العراق ، فإن عامتهم قرءوا ذلك بتنوين الكفارة ورفع الطعام : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب ، قراءة من قرأ بتنوين الكفارة ورفع الطعام ، للعلة التي ذكرناها في قوله : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ واختلف أهل التأويل في معنى قوله : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ فقال بعضهم : معنى ذلك أن القاتل وهو محرم صيدا عمدا ما يقتله المحرم ، لا يخلو من وجوب بعض هذه الأشياء الثلاثة التي ذكر الله تعالى من مثل المقتول هديا بالغ الكعبة ، أو طعام مسكين كفارة لما فعل ، أو عدل ذلك صياما ، لأنه مخير في أي ذلك شاء فعل ، . أنه بأيها كان كفر فقد أدى الواجب عليه ؛ وإنما ذلك إعلام من الله تعالى عباده أن قاتل ذلك كما وصف لن يخرج حكمه من